هل يمكن إنتاج 40 مليار دون المليار الأول؟!

هل يمكن إنتاج 40 مليار دون المليار الأول؟!

تراجع الناتج السوري بنسبة 63% وتراجع إنتاج الكهرباء بنسبة 61% خلال ست سنوات من الأزمة، ولهذا التقارب في النسب دلالاته الهامة التي ينبغي الانطلاق منها عند الحديث عن التعافي الاقتصادي.

يرتبط إنتاج الكهرباء عميقاً بالتعافي الاقتصادي والناتج الإجمالي، فمقارنة المؤشرات الإجمالية لتراجع النمو الاقتصادي، وتراجع إنتاج الطاقة الكهربائية خلال سنوات الأزمة وتراجع كميات النفط والغاز المستخدمة في توليد الكهرباء تشير إلى نسب تراجع متقاربة حد التطابق.
كل دولار يقابله أقل من واط ساعي
بالتأكيد هناك علاقة بين النمو الاقتصادي الإجمالي وإنتاج الكهرباء، ويعبر عنها بالربط المباشر كأن نقول: بأن إنتاج كل دولار في الاقتصاد السوري في عام 2010 كان يحتاج إلى إنتاج 0.8 كيلو واط ساعي.
وبأخذ تقديرات الناتج الإجمالي وإنتاج الكهرباء في عام 2016 فيمكن القول: بأن هذه النسبة لم تشهد تغيرات كبرى: فكل دولار ناتج في سورية عام 2016 قابله إنتاج كهربائي يقارب 0.7 كيلو واط ساعي، ولكن هذا لا يدل على زيادة فعالية الاقتصاد واستهلاكه لطاقة أقل بطبيعة الحال، بل يعكس أن نسبة من أرقام الناتج تأتي من المساعدات الدولية، ونسبة من الناتج الحقيقي: فيما تبقى من الإنتاج الصناعي والزراعي تعتمد على الكهرباء المنتجة عبر المولدات الخاصة.
ولكن عدم وجود تغير كبير في العلاقة بين رقم الناتج ورقم إنتاج الكهرباء يدل على الإمكانات الكامنة في زيادة الناتج مع زيادة الإنتاج الكهربائي، وعودته إلى مستويات الأعوام السابقة، وتحديداً مع وجود إمكانية نتيجة عدم تأثر البنى التحتية بمستويات كبيرة، بل إن تراجع إنتاج الكهرباء مرتبط بتراجع توفر الوقود بالدرجة الأولى.
الكهرباء الشرط اللازم الضروري
وإذا ما أردنا أن نجري مقاربة بسيطة ونظرية لنحاول أن نشير إلى أثر الإنفاق على مخصصات الطاقة على الناتج عموماً. نستطيع الاعتماد على التصريحات الرسمية التي تقول بأن تكلفة وقود الكهرباء اليومية تبلغ مليار ليرة بداية العام الحالي، ومضاعفتها بمليار ثاني يومياً، تعني كلفة وقود كهرباء سنوية تقارب 1.4 مليار دولار، ولكنها تعني بالمقابل مضاعفة مخصصات الوقود للكهرباء، وبالتالي مضاعفة الإنتاج الكهربائي تقريباً ليعود إلى مستويات قريبة من 35 مليار كيلو واط ساعي، وبمقاربة نظرية أولية: فإن هذا قد يرفع الناتج تدريجياً إلى مستوى يقارب 40 مليار دولار خلال فترات قصيرة، أو نستطيع القول: أنه يتيح للناتج الاقتصادي العودة إلى هذا الحد، ودونه لن يستطيع التعافي الاقتصادي أن يصل إلى هذا المستوى المنخفض. فإنتاج الكهرباء هو حد لازم لزيادة الناتج، رغم أنه لن يكون بالضرورة الحد الكافي، فقد يزداد إنتاج الكهرباء وتمنع عراقيل أخرى زيادة الناتج الحقيقي، ولكن دون زيادة إمكانات تأمين الطاقة الكهربائية فمن غير الممكن توقع تعافي في الإنتاج الحقيقي.
ضيق الأفق المالي أم أكثر من ذلك؟!
الحسابات الحكومية تتعامل مع أرقام الموازنة فقط، أي: تأخذ بعين الاعتبار الكلف المدفوعة على الكهرباء مقابل العائدات المباشرة من مبيعاتها، ولذلك تراها تلجأ لرفع سعر الكهرباء، وتخفيض مخصصاتها من الوقود سنوياً. بينما الحسابات المنطقية يفترض أن تنطلق من أثر الإنتاج الكهربائي على النمو والناتج الإجمالي، وأثر هذا على الإيرادات الحكومية لاحقاً.
أما لماذا لا تدرك السياسات الاقتصادية هذه الحقائق البدهية، ولا تستنج بأن الجدوى الاقتصادية للإنفاق على وقود الكهرباء هي أعلى من حسابات التوازن المالي في الموازنة، وتؤدي إلى تحسن وضع الموازنة ذاتها لاحقاً؟! فالجواب لا يكمن في وجهات نظر اقتصادية، بل في وجهات نظر اقتصادية سياسية أي: مرتبطة بمصالح واتجاهات محددة، فهناك من لا ينفعه أن يخصص إنفاق الدولة لإنتاج مزيد من الكهرباء لأنها تعني زيادة مباشرة في دور الدولة الاقتصادي، في قطاع مفصلي وعالي الأهمية، وهؤلاء ينفعهم الترويج لفكرة أن الكهرباء تحتاج إلى استثمار، والاستثمار الخاص لن يأتي طالما بقيت أسعار التعرفة منخفضة، لذلك يتم الدفع نحو تحجيم الإنفاق العام القادر على حل المشكلة، ولو بنسب معينة، ورفع أسعار الكهرباء وتحريرها لتحقق عائداً للمستثمرين، وهذا ما ينصح به البنك الدولي في حديثه حول وضع الاستثمار الكهربائي اللاحق في سورية.
6-10 سنوات لخلق البدائل!
قد تحتاج سورية بطبيعة الحال إلى استثمار في البنى التحتية الكهربائية بشكل واسع في مرحلة إعادة الإعمار، وقد يحتاج هذا إلى شراكات اقتصادية، إلّا أنّ التقديرات الأولية لواقع البنى التحتية تشير إلى أن العودة إلى مستويات إنتاج الطاقة الكهربائية المتاحة بذروتها في عام 2011، تكفي لإعادة مستوى الناتج إلى 60 مليار دولار تقريباً، وهو ما يعني نمواً بوسطي يقارب 15.5% سنوياً خلال ست سنوات، أو بمعدل نمو 9.8% خلال عشر سنوات تقريباً، وهذا نظرياً يعني: أننا قد لا نحتاج في عملية إعادة الإعمار إلى إنشاء محطات توليد جديدة وزيادة كبيرة للطاقة الكهربائية، إذا ما تمت إعادة عمل المحطات بطاقتها الكاملة، مزودة بالوقود الضروري، وبعمليات الصيانة والاستبدال الضرورية لعنفات يعود بعضها للثمانينيات!
أي: قد يكون أمامنا ست إلى عشر سنوات لنحتاج إلى محطات توليد جديدة، وهو وقت كاف لتنفيذ البدائل، سواء في الطاقات البديلة، أو في عقود الاستثمار الأفضل: أو في إمكانات استيراد حاجات الطاقة عبر استعادة وتوسيع الربط الإقليمي.
زيادة مخصصات الإنفاق العام على الوقود مفتاح أساسي لزيادة إنتاج الطاقة الكهربائية التي تعتبر محرك التعافي الاقتصادي، الذي يؤثر بدوره إيجابياً وبشكل أكثر فعالية وديمومة على واردات الموازنة العامة، ويغطي زيادة الإنفاق العام، ولكن أخذ هذا الخيار رهن تغير أوزان المصالح التي تسير المال العام، وقرار السياسة الاقتصادية، فكلما زاد وزن المصلحة العامة في القرار، كلما اقتربنا من عقلانية اقتصادية، والعكس بالعكس، كلما استمر الوزن السياسي والاقتصادي لأصحاب المصالح الخاصة الضيقة، كلما سادت اللاعقلانية الاقتصادية، وتعرقل التعافي الاقتصادي الاجتماعي للبلاد.

موسومة تحت

الكهرباء,

معلومات إضافية

  • العدد رقم: 822
عد إلى الأعلى